ليش عندك مشكلة تركيز، وكيف ممكن تتجاوزها؟

“المعلومات تستهلك التركيز .. لذلك .. ثروة من المعلومات، تعني فقر في التركيز” – دانيل جولمان

 

“بمحض إرادتنا، فضلنا التخلي عن التركيز والتحليل بعمق مقابل معلومات جديدة تساعدنا في تشتيت الانتباه بشكل مستمر”، في كتاب the shallows أنتقد الكاتب نيكولاس كار كيفية تغيير الانترنت لأسلوب حياتنا. وكيف بسبب الثروة المعلوماتية هذه صارت قدرتنا على التحليل سطحية جداً. وفي واحدة من مقالاته المؤثرة في نيويورك تايمز، أتكلم الكاتب الشهير ديفيد بروكس عن مشكلة عدم القدرة على التركيز في مقالة عنوانها (فن التركيز) وبدأ المقالة بكلمة معبرة جداً “مثل الجميع، خسرت حرب التركيز”.

 

بالغوا ؟

 

شخصياً ومن واقع تجربة ما أعتقد ابداً انه نيكولاس كار او ديفيد بروكس بالغوا وهذه أهم الاسباب:

 

– العقل البشري بطبعه مدمن للمعلومات الجديدة addiction to novelty وللمشتات. كل ما اتوفرت الامكانية للعقل انه يشتت التفكير العميق ويمنعه، بيتم عمل ذلك. والنتيجة ناس مشتته بين تطبيق وايميل ورسالة واتصال .. وتطبيق مرة اخرى. حتى الامور اللي نحبها (مباريات كرة قدم) صار صعب جداً انك تشوفها بشكل مستمر بدون ما تمسك الجوال في كل هجمة ميت أو لحظة مملة. لذلك الكثير يلاحظوا انهم مكرهيين على التشتت compulsion loop، يحاولوا التركيز لكن ما يقدروا.  العقل بكل إختصار مهيء جداً انه يجعلك انسان مشتت التفكير وبعيد تماماً عن التفكير بعمق.

 

 

– الشركات عندها مسمى وظيفي جديد (مهندس تركيز attention engineer) وظيفتهم تصميم التطبيقات بطريقة تضمن شيئين (١- انها تحصل على تركيزك، ٢- انها تبقيك لأكبر وقت ممكن على التطبيق) والسبب انه شبكات التواصل الاجتماعي تعتبرك انت المستخدم المنتج النهائي اللي يتم تقديمه للمعلنيين او المستثمرين you are not the consumer, you are the product. وهذا شيء غير مستغرب في فترة يُسمى فيها الاقتصاد بإقتصاد التركيز economy of attention.

 

– اخر نقطة مهمة هو علاقة المشاعر affects بالتركيز، وهذه النقطة اتكلم عنها بشكل جميل الكاتب دانيل جولمان – هذا فيديو رائع له عن التركيز / وهنا فيديو لي اتكلم عن هذا الفيديو – وعن تأثير المشاعر الكبير على قدرتنا على التركيز. بكل إختصار اكثر شيء انت مستثمر فيه مشاعرك (تحبه بعنف تكرهه بنعف تقلل منه بشكل كبير، .. الخ) بيتحكم في تركيزك بالدرجة الأولى. والنتيجة كل ما تبدأ تعمل في مشروع مهم ولكن عندك قلق بخصوصه تشوف نفسك فجأة في تويتر، او سناب او يوتيوب. العقل بطبيعته يحاول يتجاوز هذه المحفزات للمشاعر السلبية negative cues لمشاعر ايجابية او مريحة ما تستهلك طاقة ذهنية كبيرة (مثل تويتر او مسلسل كوميدي!). وهنا مشكلة كبيرة لانه غالباً كل محاولة لك انك تنقل نفسك لمرحلة افضل في حياتك رح تتطلب مواجهة مشاعر سلبية خارج محيط الراحة. واذا كل مرة فشلت في تجاوز هذه المشاعر واخترت التركيز على الحلول السهلة (المشتتات) غالباً بتشوف نفسك في حلقة مستمرة من التشتت تعزز قوة ردة الفعل هذه (you are feeding the beast). كأنك تدرب عقلك انه كل مرة تمر فيها بمشاعر سلبية (طفش من المذاكرة او قهر انك مو قادرة تحلي مسألة دراسية معينة) تاخذ حل سهل انك تستخدم الجوال او تشوف لقطات كوميدية تنسى فيها هذه المشاكل.

 

طيب، وبعد ما قلنا كل هذه الحقائق السلبية عن مشكلة التركيز .. الحل؟

 

قبل ما ادخل في الحلول توضيح بسيط، ما زلت إلى اليوم أعاني وبشكل كبير من هذه المشكلة، ورغم حديثي هنا وكأني ملم بالموضوع ممكن يعطي فكرة اني حليت المشكلة .. لكن ابداً مو صحيح، تحسنت، لكن ما زلت اتمنى اني اوصل مرحلة افضل وبكثير. بإختصار ما زالت المعاناة مستمرة.

 

هذا الكتاب ساعدني اني اواجه هذه المشكلة واضعها تحت السيطرة:

 

 

وصلت لهذا الكتاب بالصدفة في مقالة تتكلم عن أفضل الهدايا الممكن تقديمها لطلاب الدكتوراة (ما اعرف كيف وصلت لهذه المقالة!)، والكاتب يقول انه هذا الكتاب مهم لأي شخص يعمل في مجال يتطلب المعرفة والتفكير knowledge worker (تقريباً كل الوظائف اليوم تتطلب ذلك).

 

الكاتب دكتور حاسب آلي في جامعة جورج تاون، ينشر ابحاث في أفضل المجلات العلمية في تخصصه ومؤلف لثلاثة كتب واحد منهم من الأكثر مبيعات So Good They Can’t Ignore You. ويتكلم في كتابه Deep Work عن اسلوب حياته وقدرته انه يوازن بين العمل وبين قدرته انه يكون متواجد لاسرته وابناءه. السر حسب كلامه هو عنوان الكتاب: العمل بعمق deep work.

 

ايش فكرة العمل بعمق بكل إختصار؟ هو العمل على شيء واحد في حالة من التركيز المتواصل uninterrupted بطريقة تسمح لك بالوصول إلى اقصى قدراتك الذهنية cognitive abilities. بهذه الطريقة تحقق اهم شروط النجاح في سوق العمل حسب الكاتب (١) إنتاج عمل ذو قيمة مضافة وجديدة (٢) تطوير مهارتك (٣) صعوبة تكرار عملك من قبل الاخرين hard to replicate. ويضيف الكاتب انه مع تسارع وتيرة التكنولوجيا وصعوبة الحصول على وظائف ، عادة العمل بعمق تصبح اكثر اهمية لانها تساعدك تتعلم مهارات صعبة تنتج من خلالها عمل صعب تكراره من الاخرين.

 

الجميل في الموضوع، انه الكاتب يقول -حسب دراسات علمية- : من الصعب على العقل البشري انه يركز بشكل عظيم لأكثر من ٣-٤ ساعات يومياً. وانه الكاتب نفسه يحتاج فقط ٤ ساعات يومياً خمسة ايام في الاسبوع لينتج اعمال تساعده انه يعمل في واحدة من افضل الجامعات ويؤلف كتب تحقق الاكثر مبيعاً. لو تفكروا فيها، رقم ابداً مو كبير وممكن مع التدريب توصله .. انك تترك جوالك فقط ٣-٤ ساعات يومياً!!

 

خطوات للحصول على عادة التركيز في عملك:

 

 

١- التركيز قدرة يمكن الحصول عليها وتطويرها .. بمعنى لو اليوم قدرتك انك تعمل فقط لربع ساعة، تقدر بكرة تزيد خمسة دقائق واليوم اللي بعده خمسة دقائق اخرى. مثل العضلات، مع الوقت تكبر قدرتك على التركيز وتوصل لساعة او اكثر من التركيز والعمل على نفس الشيء او قراءة الكتاب نفسه.

٢- لذلك، مهم مراجعة نفسك بشكل يومي .. ما يحتاج مجهود كبير الموضوع، ورقة تكتب فيها وقت عملك وكم استطعت انك تعمل على موضوع معين ونهاية اليوم تعرف الساعات اللي قضيتها في عملك على ايش بالضبط وكم المدة كانت. شخصياً استخدم تطبيق Forest – هنا فكرته البسيطة بكل إختصار – وفيه تحط مؤقت من ١٠ دقائق إلى ساعتين يمنعك من استخدام الجوال (اذا استخدمته ينتهي المؤقت)، والجميل فيه انه تقدر تراجع نفسك بالايام/اسابيع/اشهر وتشوف على ايش قضيت وقتك، وهذه المراجعة تساعدك كثير في محاولة تحسين تركيزك وزيادة انتاجيتك.

٣- حاول بعد كل مرة تاخذ فيها راحة انك ما تمسك الجوال .. مثلاً لو قررت تعمل بين الساعة ٩ صباحاً و ١٢ الظهر حاول انك تخليها فترة ممنوع استخدام الجوال فيها social media free zone والسبب بكل بساطة حسب كلام الكاتب شيء اسمه attention resdiual ومعناه انه عقلك ما يوقف التركيز عن اخر شيء كان شاغل تفكيرك. مثلاً، لو قررت بعد التركيز لمدة نصف ساعة في عملك انك تشيّك تويتر، لما ترجع تشتغل عقلك بيكون مشغول بجزء معين قرأته في تويتر .. هذا الشيء مسماه العلمي attention resdiual ومشكلته انه يمنعك من استخدام كل قدرتك الذهنية في عملك والوصول لـ deep work.

 

مشكلة ثانية بخصوص انشغالنا دائماً بشيء معين (جوال/مكالمة/فيلم/قراءة) وعدم اعطاءنا فرصة للعقل انه يتنفس .. ويتأمل .. هو حصول ال cognitive fatigue التعب والارهاق الذهني .. لانك ما اعطيت فرصة لعقلك انه يلّحق ويتأمل. وهنا ملخص لمقالة جميلة من نيويورك تايمز بعنوان نهاية التأمل:

photo_2016-10-15_03-57-09

  • ‏استخدامنا المستمر للجوالات يجعل قدرتنا على التأمل Reflection ضعيفة، ومع مرور الوقت ممكن شبه معدومة.
  • ‏قدرتك على تطوير طريقة تفكيرك تعتمد بشكل كبير على التفكير في تفكيرك metacognition واستخدامك المفرط للجوال يحرمك من هذه العملية.
  • ‏استخدام الجوالات المفرط هو نتيجة ادمان العقل على مؤثرات خارجية external stimuli سريعة وقصيرة، عكس الأفكار البطيئة.
  • بيانات من جوجل توضح انه العملاء يتركوا مواقع التسوق لو تحميل الصفحة ياخذ اكثر من ثانيتين، كانت أربعة قبل ١٠سنوات. الصبر صار أقل.
  • عدم قدرتنا على عمل لا شيء نتيجة طبيعية لأسلوب حياة الانترنت. العقول غير مدربة على التأمل وبحاجة لمؤثرات مستمرة.
  • الكاتب ينهي المقالة بالتذكير بتمثال “المُفكر” والتفكير العميق .. ووضعية الجلسة اللي ترفض المشتتات بجميع اشكالها. ‏يقول صعب اتخيل تمثال “المغرد the tweeter” يكون ملهم بنفس الشكل 😄

أعتقد هذا سبب اضافي مقنع اننا نحاول قدر المستطاع وقت الراحة نترك الجوال .. ممكن هذه الطريقة تساعدنا نوصل لإستنتاجات تخص العمل .. هي في النهاية ثلاثة/أربعة ساعات فقط وممكن جداً عملها.

٤- نقطة مهمة اتكلم عنها الكاتب هي تقبل الملل embracing boredom وحدد لهذا الموضوع فصل كامل. يقول الكاتب انه التحدي الاكبر في هذه العملية وإعادة التركيز لحياتك هي مواجهة الملل. بعد سنوات من الاعتياد على التشتت المسلي والسريع (استخدام السوشال ميديا او مشاهدة مقاطع كوميدية او اخبار سياسية بشكل مستمر) بتكون العملية صعبة جداً ومتعبة. لكن اذا رفضت تقبل الملل كجزء لا يتجزأ من الحياة اللي فيها تركيز وانتاجية، صعب جداً انك تحقق هذا الهدف.

٥- نصيحة صعبة ما زلت بعيد تماماً عنها هي التخلص من السطحية في حياتك drain the shallowness وبمعنى انك في كل شيء تعمله تختار انك تركز عليه فقط وتبعد موضوع الـmulti-tasking من حياتك قدر المستطاع، حتى في الامور الترفيهية.

 

هذا ملخص سريع وخفيف عن اهم افكار الكتاب، غير مترجم ولكن انصح وبقوة بقراءته. فعلاً من أفضل الكتب اللي قرأتها.

 

اقتباسات جميلة من الكتاب

“الجميل في تقليل المشتتات في حياتي اني تخلصت من الصوت الخلفي المزعج الذي يستنزف طاقتي الذهنية .. وتعودت على الهدوء والملل وتقبلته كجزء جميل من يومي”.

“مهارة إدارة التركيز والسيطرة على الامور التي تختار التركيز عليها هي أهم المهارات الممكنة للحصول على حياة جيدة، ولتحسين مستوى الحياة لديك على كافة الأصعدة”

“من نحن، في ماذا نفكر، نشعر ونفعل، ماذا نحب .. هو نتيجة مجموعة الامور التي اخترنا التركيز عليها”

 

في النهاية، ما زلت إلى اليوم أعاني في كل مرة احاول اجبر نفسي اني امسك كتاب او ابدأ اشتغل وادرس .. المهمة ابداً مو سهلة. لا هذه المقالة او الكتاب بيساعدوك تتخلص منها للأبد، ولكن بيساعدوك انك تكون على دراية بالموضوع وتبدأ تمشي على الطريق الصحيح للتخلص من هذه العادة المدمرة لكل محاولة حقيقية انك تكون انسان منتج لأمور صعبة وذات جودة عالية.

 

أحمد الردادي

 

  1. شكرا على التدوينة المفيدة وعلى تلخيصك للكتاب . نحن نعيش في زمن التشتت الذهني وسط الكم الهائل من المعلومات المتزاحمة والمتناقضة عبر وسائل الاتصال التي استنزفت اوقاتنا وأصبحنا لا نملك القدرة على التركيز والفهم العميق للامور. نحتاج أن نقرأ كتب اكثر من قراءة وسائل التواصل. والله يرحمنا برحمته. وفقك الله في ابحاثك وتدريسك.

  2. كلام صحيح ١٠٠/١٠٠
    وأنا اعتمدت هذه الطريقة في حياتي بحيث انقطع عن الجوال فترة انشغالي وإذا عدت إليه وجدت رسائل من كل حدب فلو كنت ممسكة بها لما استطعت إنجاز ما أريد
    ولكن كما ذكرت أخي أحمد لن نستطيع التخلص تماماً لكن نصف العلاج ادراكنا للمشكلة
    جزاك الله خيرًا على اختيار وطرح هذا الموضوع

  3. موضوع رائع جدا ومهم جدا جدا

    شكرا جزيلا لسلاسة اسلوبك وحسن اختيارك لمواضيعك

    تقبل تحياتي
    عاصم المغذوي

  4. حقيقي ما اعرف كيف وصلت لمدونتك بس جات في وقتها دا اكثر وقت قاعدة احاول اني اركز في مذاكرتي بس كنت حايسة وكل ما امل ارجع ثاني للجوال واحوس اكثر
    وحنحط الكتاب في القائمة لبعد الاختبارات ان شاء الله 😍
    وشكرا لك 💗

  5. صادق والله
    هالشي افكر فيه ويضايقني بس ماعمري يعني توقعت انه مشكلة انا ماصبر تتحمل الصفحة الا واتعبث بالجوال او يحمّل فيديو الا وماسكة شي ثاني انشغل فيه
    لين صار عقلي يعورني !!

  6. مقالة منورة جدا و راح استفيد منها في حياتي المزحومه ( عمل / دراسه ) فأنا كنت حافظة المقال عندي من وقت نشره لكن من كثرة المشتتات ماقدرت اقراها الا اليوم … كمان و انا اقراها جتني مشتتات في كل فقره هههه … شكرا الله ينور عليك

اترك رداً على Rogaia Cancel Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *