كيف تنتصر على عقلك في بناء عادات صحية جديدة: دراسات باوميستر.

“سلاسل العادات تبدأ بشكل أخف من آن تشعر بها وتصبح فجأة مستحيلة الكسر”

كلام وارين بافيت عن العادات أعتبره من أجمل وأدق الجمل التي وصفت العادات اليومية. فعلاً، في البداية لا تشعر بتكون هذه العادة.. وفجأة تشعر وكأنك في سجن صنعته بنفسك.. مجبر على تكرار هذه العادة سواءً كنت ترغب بذلك أو لا.

سبب تكون العادات بهذا الشكل هو الطريقة التي يعمل بها العقل البشري. من وظائف العقل الأساسية الحفاظ على الطاقة الذهنية واستخدامها بأكبر كفاءة ممكنة self-efficiency. العادات لا تستهلك طاقة ذهنية كبيرة (وأنت في طريقك للعمل تقريباً لا تقوم بالتفكير بشكل كبير عند كل لفة، قهوة الصباح يتم اعدادها بشكل شبه اوتوماتيكي وغيرها من العادات اليومية).

هذه ميزة، لأننا لو احتجنا إلى إستهلاك طاقة ذهنية كبيرة والتفكير في كل خطوة نقوم بها سنصاب بالجنون. ولكن هذه الميزة تتحول إلى مشكلة في مرات كثيرة ولأسباب عديدة اهمها طريقة اخرى يعمل بها العقل وهي سعيه الدائم بالحصول على الملذات وتجنب الآلام seeking pleasures and avodiing pain. لذلك تجد صعوبة في تجاوز رغبتك في التهام الكوكيز، وصعوبة في الذهاب إلى النادي بمجرد اختفاء حماس البداية.

بالنسبة للعقل (الذهاب للنادي، بداية المشروع الدراسي، الأكل الصحي) كلها تمثل نفس الشيء: ألم لحظي. في المقابل (الكوكيز، تويتر، نيتفيلكس) كلها تعتبر شيء واحد: متعة لحظية وضمن نطاق الملذات.

ماهي دراسات باوميستير، وكيف ممكن تستفيد منها شخصياً؟

باوميستر قدم واحد من أهم النظريات في علم النفس العقود الأخيرة والتي تشرح موضوع السيطرة على النفس self-control في أبحاث خاصة بالأهداف، الذاكرة، وغيرها. النظريات والدراسات التي قدمها باوميستر تندرج تحت limited-resouce model وفيها يتحدث عن الـ self-regulation و الـ self-contorl جميعها تتحدث عن نفس الشيء وهذه النقاط تشرحها بشكل مختصر:

قدرتك على السيطرة على ردة فعلك الطبيعية خلال يومك والتفكير فيها تندرج تحت الـ self-regulation (ترجمتها الحرفية التنطيم الذاتي). مثلاً، ممكن تغضب أثناء الحديث مع والدك وترغب بالرد عليه ومخالفته الرأي.. ولكن هذا التصرف لا يتناسب مع قيمك وأخلاقك وبالتالي توافقه الرأي وبكل إحترام. مقاومتك لرغبتك الداخلية بأن تقوم بالرد عليه وقول كل ما في بالك هي الـ self-regulation أو التعبير الجميل self-control (السيطرة على النفس).

الـ self-control يندرج تحته جميع تصرفاتك التي تقوم فيها بالسيطرة على نفسك. سواءً كانت ردة فعل جسدية، ذهنية أو نفسية. مثلاً، محاولتك أن تقوم بالتركيز خلال المحاضرة، عدم اسختدام تويتر، الذهاب إلى النادي، الأكل بشكل صحي، عدم مشاهدة نيتفيلكس ومشاهدة فيديو تثقيفي.. جميعها تندرج تحت الـ self-control

دراسات باوميستر تشير إلى نقطتين مهمة بخصوص الـ self-control

 

١. قدرتنا على السيطرة على أنفسنا (self-control) محدودة: في بداية اليوم تكون الطاقة أعلى ومع استخدمنا لها تقل حتى تصل إلى اقل مستوى ممكن ونصبح وقتها مرهقين نفسياً والمسمى العملي لهذه الحالة ego depletion. لذلك مقاومة الشوكولاته دائماً اسهل في أول اليوم، وبعد الساعة ١٢ ليلاً المقاومة تصبح شبه معدومة لكل شيء في المطبخ!

٢. العقل لا يفرق بين مقاومة طعام لذيذ، أو الاستماع إلى قصص مملة من صديق.. بالنسبة لعقلك، المعاناة هي المعاناة بمختلف أشكالها: أثبتت دراسات باوميستر أن أي نوع من المقاومة يعتمد على مصدر طاقة واحد. قدرتك على السيطرة على نفسك ستصبح أقل سواءً بعد مقاومتك لرغبتك بإلتهام الايسكريم، أو بعد مرور نصف ساعة من محاضرة مملة مجبر على حضورها.

معنى هذا الكلام؟

  • كل شخص يقرأ هذا الكلام لديه صورة مثالية ideal self عن نفسه. هذه الصورة المثالية تشمل كل العادات والأمور التي يرغب هذا الشخص أن يقوم بها بشكل يومي (الذهاب إلى النادي، الاكل بشكل صحي، صرف المال بشكل أكثر عقلانية، الإبداع والتفاني في العمل بشكل أكبر، استخدام أقل لمواقع التواصل). محاولة الوصول إلى هذه الصورة بشكل مباشر ستكون فاشلة مما لا شك فيه. لانك لو بدأت في يوم واحد الاشتراك في النادي والالتزام بأكل صحي فستقوم بإستنزاف طاقتك الذهنية بشكل سريع وتصل إلى حالة الـ ego depletion بعد عدة أيام وتصاب بالإحباط.
  • العادات دائماً أقوى من حماسك ورغبتك القوية في الوصول إلى الصورة المثالية ideal self عن نفسك.
  • ودائماً وقت التخطيط للـ (بداية المثالية) لنفسك ولحياتك، تعاني مما يسمى hot-cold empathy gap وهي بكل إختصار الفارق بينك وانت في حالة نفسية هادئة وبينك وانت في حالة نفسية منفعلة. تخطيطك للنظام الغذائي الجديد التي سيجعل كل الوزن الزائد يذهب غالباً يحصل وانت في حالة شبع.. لا تضع في الحسبان وضعك النفسي وانت في حالة جوع كبيرة. نفس الشيء ينطبق على أغلب الاهداف.

والحل؟

  • العدو هنا عقلك.. وعليك أن تلعب بقوانينه. اذا كانت العادات هي طريقة العمل المفضلة للعقل، اذاً ابدأ بمحاولة بناء عادات جديدة مع تقدير لقدرتك المحدودة على القيام بأمور لا ترغب بها يومياً.
  • كتاب Compound Effect من أفضل الكتب التي تحدثت عن أهمية تقدير البدايات الصغيرة. الكتاب يقول عمل شيء جيد بمعدل ١٪ فقط اسبوعياً، سيجعلك تحقق نتائج عظيمة بعد سنة من اليوم. المشكلة أننا نبالغ فيما نعتقد أننا نستطيع ان نقوم به خلال فترة قصيرة، ونقلل مما نستطيع عمله خلال سنة.
  • من الممكن أن تختار شيء واحد صعب كل شهر وتحاول أن تجعله من عاداتك اليومية. مثلاً الذهاب إلى النادي (أو عمل رياضة) لمدة ٣٠ دقيقة فقط لدرجة التعرق يومياً أو خمسة أيام في الاسبوع حتى.
  • قد تشعر بالحماس والرغبة ان تقوم بعمل اكثر وأن تشترك في النادي وتذهب لمدة ساعة يومياً في البداية.. لكن الهدف هنا ليس خسارة لوزن بشكل سريع ولكن عمل عادة يومية لأسلوب حياة صحي (لاحقاً نتكلم عن الفارق).
  • مع مرور الأيام ستشعر أن المقاومة أصبحت أقل (أفضل من تحدث عن هذه المقاومة كتاب the art of war من أجمل الكتب التي تحدثت عن الحرب النفسية التي نخوضها مع أنفسنا). وقد تكون أصعب في بعض الأيام، ولكن بشكل عام ستشعر أن يومك الطبيعي يتضمن الذهاب إلى النادي وهذا الهدف أول شهر.
  • بعد ما تصبح مقاومة الذهاب إلى النادي طبيعية وتحت السيطرة وقتها تستطيع إضافة عادة اخرى، القراءة مثلاً، وتبدأ المعاناة من جديد لهذه العادة. ولكن بعد شهر اخر تصبع المقاومة اقل وساعة في كل يوم تتضمن الرياضة والقراءة.. عادتين الملايين يحلموا بالحصول عليها.. لكن يحول بينهم وبينها العجلة وقلة الصبر.
  • نقطة مهمة: دراسات باوميستر أثبتت شيء جميل جداً بخصوص الـ self-control ألا وهو انها مثل العضلة.. مع التمارين تزيد قوة. معنى ذلك أنك بعد شهر من مقاومة نفسك والنجاح بالذهاب إلى النادي، بناء عادة القراءة تصبح اكثر سهولة.. لأن قدرتك على السيطرة على النفس self-control أصبحت اقوى. وبعد أن تترسخ هذه العادات الجديدة.. استهلاكها للطاقة المحدودة لديك your limited self-control تصبح شبه معدومة وقدرتك على السيطرة على نفسك تصبح أقوى. وبذلك قدرتك على التخلص من عادات سيئة اخرى (التدخين ربما) تصبح أعلى خصوصاً لو استخدمت نفس الطريقة.

خلال عملية بناء العادة الجديدة أنت بحاجة لعملية اخرى مهمة، حسب كلام باوميستر. هذه العملية هي المراقبة الذاتية monitoring. بدونها من الصعب أن تقوم بمعرفة مدى تقدمك في عملية بناء العادة الجديدة.. لأنك لو تركت عملية التقييم لنفسك بدون شيء مكتوب وواضح، غالباً ستبالغ بالنتائج التي ترضيك motivational reasoning. وتعتقد انك اكلت بشكل صحي ولكن في الحقيقة يومك كان مليء بكوارث على شكل طعام.

أب الإدارة الروحي بيتير دركر يقول “إذا أردت السيطرة على شيء، قم بقياسه.” صحيح أن دركر كان يتحدث على المنظمات وعملها، ولكن نفس الشيء ينطبق على النفس (ربما النفس أكثر تعقيداً من أكبر المنظمات). لذلك إذا اردت السيطرة على نظامك الغذائي، قم بكتابة وجباتك اليومية.. هاتفك مليء بالبرامج التي تستطيع مساعدتك في ذلك.

في النهاية اختم بنقطتين مهمة:

  1. أعتبر هذه النصائح رسالة موجهة لي شخصياً قبل أن تكون موجهة إلى أي شخص اخر. شخصياً أعاني من عدة عادات سيئة، وأرغب في الحصول على عدة عادات جيدة. دراسات باوميستر قرأت عنها بالصدفة خلال كتابة للرسالة.. وبدأت تطبيق بعض النصائح وفعلاً اليوم أكملت خامس اسبوع لي في النادي، واسبوع من القراءة لنصف ساعة بشكل يومي (خارج مواد الدراسة). لا أعلم إذا هذه العادتين (وغيرها كثير في الطريق!) ستستمر أو لا.. لكني أحببت مشاركتكم هذه التجربة وأنا امر فيها.
  2. النقطة الثانية هي قناعتي بوجود طرق اخرى لتحقيق الاهداف والوصول لأسلوب حياة مرضي. ولكن بالنسبة لي افضل البداية البطيئة المستمرة على الحماس الكبير الذي قد ينتهي بمجرد الوصول للهدف وتعود بعدها العادات السلبية تجد طريقها لحياتك مرة اخرى.

محاولة بناء عادات صحية والتخلص من عادات سلبية هي معركة مع النفس تستمر مدى الحياة. لذلك حاول تستمع بيومك اكثر، وتقبل النقص والفشل كجزأ لا يتجزأ من هذه المعركة الممتعة.

أحمد الردادي.. بعيد عن الصورة المثالية عن نفسه.. ومتقبل لهذه الحقيقة بشكل تام.


اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>